Chapter 1






سلسلة حكايا الشقيقات: نُزل المحيط 




-١-





صوفي .. 




ها أنا ذا أقضي طريقي الريفي الوعر بتأمل خاشع لطبيعة الجبال الخضراء الخلابة من حولي رغم تقافز عجلات الحافلة القديمة بصورة مستمرة مزعجة، أذت ظهري و مؤخرته الضئيلة لمايقارب الأربع ساعات حتى الأن، ناهيك عن ضيق المقاعد و حبسها لسقاي النحيلين في نطاق ضيق خانق!.

الأجواء تزداد حرارة وليس من الممكن فتح النوافذ التى لا وجود لها أساساً ضمن تركيب الحافلة الهارمة ولكن مالعمل؟، إنها الوسيلة الوحيدة التى تأخذنا الى حيث أريد أنا وشقيقتي الجامحة، في منطقة تندر فيها السيارات والعربات البترولية.. بالحديث عنها فهي هادئة جداً على ما كانت عليه من تذمر شديد بشأن كل شيء تقريباً خلال رحلة القطار السابقة والتى أستمرت لمدة ثلاثة أيام، لقد كرِهت حجم المقطورات الصغيرة نسبياً ومن ثم سرير النوم وغطاءه القديم الذي لم يناسب ذوقها الرفيع وموظف الخدمة المتملق والطعام وكل شيء!.


التفتت عيناي نحوها و أبتسمت مشفقة على حالها و هيئتها المتضجرة رغم نومها أو تصنعها ذلك من يدري ؟.. المسكينة حملت نفسها على القدوم معي الى حيث قرية جدتي النائية بموقعها وسط الطبيعة والتلال في معزِلً تام عن ضخب المدن، ولم يتسنى لها الإستمتاع مع صديقاتها بأجواء الإجازة الصيفية بعد قضاء سنة حافلة من الدراسة الشاقة والفروض المجهدة. 


عاودت النظر الى عذارية الأرض خلف زجاج الحافلة الأغبش حتى أمنع تسلل الشفقة الى قلبي من رؤيتها في تلك الهيئة المُهملة وهي من اعتادت على الأناقة والدلال منذ نعومة أظافرها، لم يجبرها أحد على المجئ وهي التي قدِمت بملء إرادتها! ..

 لقد منحها أبواي خيار البقاء مع خالتي العازبة في الشق الأخر من مدينتنا الضخمة، أو مرافقتي لزيارة جدتنا ريثما يعودون من رحلتهم الطويلة الى إيطاليا لحضور مراسم دفن العم بيتر هناك، فختارت جانب خالتي فوراً ولم أعترض قرارها البته .. لمفاجئتي وجدتها ترسل حقائبها مع حامل الحقائب في فندقنا صباح ميعاد سفري ليأخذ بها الى السيارة التى ستقلني الى محطة القطارات، ومن ثم احتلت بذاتها الموقرة المقعد المجاور لي وهي ترتدي ثياباً تلائم جولة متألقة في شارع الأناقة وسط المدينة!..





- ما بال هذه النظرات البلهاء؟ كل مافي الأمر هو أنني عزفت عن رأيي في أخر لحظة .. الشكر لكِ فلن أستطيع الإستمتاع بالإجازةِ وأنا أعلم جيداً أنك لن تكفين عن الوقوع في المتاعب بعيداً عن عيناي!.. 


هذه ألكسا، تصف شخصيتها بكامل ابعادها في جملة واحدة من سطر واحد!، ولا حاجة لي بالإشارة الى لسانها السليط وشخصيتها الفولاذية التى تُسير بها من تشاء طوع ارادتها، عجباً كيف أكسر هذه القاعدة دائماً! .. ضحكتُ تعليقها المتسلط وغرورها الساحق آنها، بالتاكيد لا يمكنها الإعتراف من أنها تريد قضاء الوقت معي و ستعد شعر رأسها ممللاً بدوني، انها تصغرني بعامين ومع ذلك تشعر دائماً من أنها في موضوع الأخت الكبرى ولا تكف عن التصرف على هذا النحو، أما أنا فأشرى راحة بالي وأتركها تفعل ما يحلو لها في الغالب.




توقفت الحافلة بصورة مفاجئة مما جعلني وأختي نندفع الى الأمام ونصطدم بظهر المقعد المقابل لنا في آن واحدة، صرخت شقيقتي بغضب وقد فغرت عيناها بروع من طبيعة التوقف:

- سحقاً ألا ترى أمامك يا رجل؟ كدت أن أفقد رقبتي بسببك..


وظلت تلتقط أنفاسها بعنف بينما أجابها المسن وهو يستدير بوجهه الكريه اتجاهنا ضاحكاً ليظهر لنا ما تبقى من أسنانه الصفراء البشعة ويثير مظهره ذاك القشعريرة في أبداننا : 

-المعذرة يا آنسة لكن خرافاً صغيرة تعبر الطريق فتوجب على كبح الفرامل بهذه الطريقة، لا يرضى على ازهاق أرواح هذه الحيوانات الأليفة الطاهرة سوى الرجل الجبان 


أجابته بحقد وهي تُعيد رأسها الى الخلف لتكمل نومها: 

-سنرى إن كان بوسعك الإحتفاظ بشهامتك هذه أمام طبق لحم ساخن لدى حلول موعد وجبة العشاء! 


قهقه بطريقة مثيرة للإشمئزاز رغم فظاظتها معه، بينما أثرت مراقبة الخراف الجميلة بصمت وأنا أدعوا أن نصل قريباً فظهري يكاد يقتلني بما فيه الكفاية وأتى هذا ليضيف صدري الى القائمة المتوجعة، وبالنظر الى ردوده المفرطة في السلمية فبالتأكيد لن يشعره جوابها بالإهانة بعد أن أزاغت عينيه بإعطاءه ذلك المبلغ الطائل قُبيل ركوب الحافلة حتى لا يسمح لقروي أخر بالركوب معانا.. وكيف ترضى أن تلتصق رائحة عرقهم بجلدها الناعم!، إنها أفعالها التقليدية وتبذيرها المبرر في نظرها .. ثم ليتها أراحتني بعد ذلك وتركت لي فسحة لأمد قدماي بها، بل جاورتني المقعد و فردت قدمها أمامها حتى لا يتسنى لي تغيير مكاني حين تغط في النوم، هذه الفتاة حقاً لا أفهم عقلها أو أسلوبها في التعبير عن المحبة غالباً!، لكن حبي لها يمنعي من القسوة عليها رغم تماديها في كثير من الأحيان مع غيري من البشر .. 

انتظرنا لبعض الوقت حتى تنهى الخراف عبورها بسلام الى الضفة الأخرى ومن ثم تابع الرجل طريقه وهو يصفر بإنسجام مع ذاته، توقف بلطافة أكثر هذه المرة ثم أنتصب واقفاً رغم ضيق المكان فحجمه الضئيل لم يكن ليمنعه وقال:

-أرجوا أن تكونوا قد استمتعتن آنساتي، لقد وصلنا أخيراً الى وجهتكما، جنة الله في الأرض .. "مدينة الملكات" .. انها لا تزال على بعد ساعتين من هنا ولكن النُزل الذي تقصدنه على بعد ١٠ دقائق سيراً من هذه النقطة وهذا أفضل ما بوسعي فعله لكما وإلا غُرمت على تلويث البيئة من البلدية بسبب قِدم الحافلة.


تقدمتني ألكسا شقيقتي لتنفذ بجلدها القمحي الجذاب من لهيب الأجواء المجرثمة بالغبار وهي تتمتم: 

-هذا ما كان ينقصني، "مدينة الملكات" .. ماهذا المسمى السخيف بحق الرب!.


وضعت قدماي من بعدها على الأرض الصلبة أخيراً وسرعان ما أطلقت تنهيدة طويلة رافقتها استطالة لذراعي وتقويم لظهري الذي أصدر صوت طقطقات متتالية ثم صرخت بسعادة:.. 

-"رباه .. إنه هواء طبيعي نظيف "


كدت أن أبكى من فرط سعادتي فالأجواء خارج الحافلة لطيفة وجميلة عكس ما تصورت، أصوات غناء الطيور والطبيعة تنبعثان من كل مكان، انها الجنة بحق!.. 

أخرج العجوز حقائبنا من حافلته الصغيرة ومن ثم شكرنا على مرافقته اليوم، رددت شكره بإخلاص و أطلقت نظرة حادة إتجاه ألكسا الغارقة في ندمها على القدوم كما يبدو وهي تتأمل المساحات الخضراء الشاسعة والجبال الراسية من حولنا فردت نظرتي بنظرة حمقاء ولسان حالها يقول : 

-ماذا


لوحتُ للرجل حتى اختفى عن ناظرينا ومن ثم استدرت نحوها بغضب: 

-أقلها كان بوسعك شكره فقد كان حليماً بما فيه الكفاية ليبقينا على متن الحافلة رغم فظاظتك ووقاحتك معه! 


فغرت عينيها في مواجهتي وهي تجيبني بدفاع مستميت:

- لست مذنبة إن لم يكن صادقاً مع نفسه ليعترف أنه كان يحاول الظهور بمظهر حسن أمامنا ويدعى رفقه بالحيوان !! ثم هل هو مجنون ليلقى بنا في قارعة الطريق بعد أن منحته خمسمائة دولار .. أتصور عليه أن يعمل جاهداً لشهر كامل حتى يأتي بمبلغ مماثل! 


هززت رأسي بنفاذ صبر وأنا التقط حقيبتي الجرارة لأقصد لوحة إرشاد قديمة ظريفة في مفترق الطريق لتدلنى الى حيث نُزل جدتي وأنا أقول ببرود:

- افعلي ما تشائين ألكسا ولكن ثقي تماماً من أنك ستندمين على سوء أدبك هذا مع الكبار. 


سمعت تمتمتها ومحاولاتها لتبرير موقفها أمامي لكن الصوت بات يخبو مع استمراري في التقدم، وأصبحت الأجوء هادئة جداً عندما قطعت شوطاً لا بأس به، توقفت عن متابعة السير حين آلم طبلتي صوتها الرنان وهي تصرخ قائلة: 

-هل يمكنك إعارتي إحدى يديك مع هذه الحقائب؟! لا أظن أن يداي كفيلتان بمهمة دفعهم مجتمعين! 


استدرت نحوها و عضضت على أضراسي بكل ما أوتيت من قوة حتى لا أنفجر ضاحكة من حالها المثير للشفقة، أين تعتقد أنها ذاهبة لتحضر هذا الكم الهائل من الحقائب الباهضة؟! وعدت أدراجي بطبيعة الحال لنتقاسم الحقائب وخلال تخطيطنا ذاك تخطتنا سيارة ريفية مخصصة لنقل علف البهائم يقودها رجل أربعيني توقف لدى رؤيته لنا ببضع أمتار ومن ثم تراجع بسيارته الى الوراء .. 
- طاب مسائكن آنساتي هل أستطيع مساعدتكن بشيء ما؟


أرادت ألكسا الرد عليه بفضاضة وإرساله بعيداً عنا فهي لا تستلطف الغرباء ولا تثق بهم بتاتاً لكنني دست على قدمها سريعاً حتى لا تتجرأ على ما أجزم من أنها ستفعله وأجبته بتهذيب: 

-طاب مساءك سيدي.. نحن نقصد نُزل "المحيط" بقرية الملكات هل تستطيع ارشادنا إليه رجاءاً؟!


ابتسم لي برحابة صدر وهو يشير بيده الى صندوق السيارة المكشوف من خلفه: 

-ضعوا الحقائب وسأوصلكم إليه، إنه في طريقي على أية حال


ابتسمت بسعادة وأنا لا أكاد أصدق حظي: 

-شكراً سيدي ستكون خدمة عظيمة بحق..


أسرعت بعدها بحمل الحقائب ووضعها وساعدتني ألسكا رغم ضيقها من الأمر لكن إجهاد السفر منعها من الإعتراض.


...


لاحقاً في سيارته.. 


-اذا مالذي دفع بصبيتين يافعتين مثلكما للقدوم الى قرية العجزة هذه!، آسف لتخيب آمالكما ولكن لا يوجود الكثير لفعله بالجوار والمتعتة كلها في المدينة وهي على بعد الساعتين من هنا.


ضحكتُ وأجبته بدماثة: 

-تستطيع القول من أنني مللت اكتظاظ المدينة و صخبها الدائم ليل نهار.


تنهد وهو يشعل الأضوء الأمامية للسيارة فقد جن الليل سريعاً ولا وجود للكثير من أعمدة الإنارة على جوانب الطريق الضيق:

- هذا صحيح، أتعجب من ادراكك لهذه المشاعر رغم صغر سنك!


أجابته ألكسا بسخرية ورأسها يتكأ على راحة يديها قرب بوابة السيارة بملل : 

-صدقني عندما أقول لك بأنها عجوزٌ في مظهر طفلة 


قاطعتها بحنق وأنا أشعر بالحرج:

- وأنتِ صبي في جسد فتاة هل لا توقفنا الأن رجاءاً!! .. 


ضحك الرجل و أردف :

- على العموم.. أتمنى لكما إقامة سعيدة مع السيدة صوفيانا.. نصيحة من صديق، لا تحدثوا كثيراً من الشغب في نُزلها فهي نوعاً ما.. صعبة المراس! 


ابتسمت أنا وألكسا تلقائياً من وصفه لجدتي التى لم يسبق وأن رأيناها من قبل، فقد كانت غاضبة على والدتي وخالتي ورفضت زيارتهما لها بتاتاً، حتى أنها لم توافق على زيارتي سوى بعد اصراري و إلحاحي الشديدين و بعد التعهد بقبول جميع شروطها مهما بلغت صرامتها في نظري.

رغبتي في لقائها هو أمر رافقني منذ الطفولة، فلطالما تمنيت أن أقضى الأمسيات معها حيث تحكى لي القصص والأساطير و تخبز لي الكعك المحلا وفطائر الفراولة والتفاح، لقد أسمتنى أمي تيمناً بها وبشخصيتها القوية ومنذ أن علمت بهذه الحقيقة وأنا في الخامسة و رغبتي في رؤيتها لم تخبو أبداً.

توقفت السيارة أخيراً بعد الإنعطاف حول نافورة لم تكن مضاءة مما صعب علينا تميز هندستها، و أطلقت تنهيدةً خفيضة وعيناي تبصران أضواء النُزل الصفراء وهي تنبعث من النوافذ الواسعة بشاعرية جميلة راقت لي كثيراً كونها حملت سكينة عجيبة أجتاحتني وأنستني آلم جسدي خلال لحظات.. بيد أني تمنيت لو أبكرت في المجيء حتى يتنسى لي رؤية النُزل الأسطوري مع انعكاس أشعة الشمس على نوافذه و زروعه المتسلقة بعد أن تعددت الروايات حول أوصافه وأتفقت على مديحه.


كان هذا النزل محوراً هاماً لحديث أمي و خالتي في العديد من المناسبات، والذي عادة ما يصل الى مرحلة من الصراع حين يتم التطرق الى تفاصيل وراثته من جدتي التى لا تزال على قيد الحياة !.. ولربما أتمكن من تبرير رغبتهما الملحة في امتلاكه إذا ما كانت العلة هي الإحتفاظ بذكرى جدتي، ولكن الحقيقة أبشع من ذلك بكثير!، فأمي وخالتي هما الأشهر على صعيد الفنادق العالمية وليس هنالك أمل في فوز أي منافس يقف في طريقهما، لقد أبصرت كلتيهما الضوء في نُزل جدتي وترعرعتا فيه حتى اليوم الذي انتقلتا فيه الى المدينة، وكانتا قد أتقنتا خلال نشأتهما فنون الضيافة و ابدعتا في شؤون الإدارة الفندقية حتى أسست كل واحدة منهما عملها الفندقي الخاص تدريجياً ولم يطل الأمر قبل أن يحتلوا الريادة في هذا السوق، ببساطة مقيتة .. كلتيهما تريدان توسيع رقعة امبراطوريتهما بإنتهاش النُزل الصغير و منحه شعار سلسلة الفنادق الخاصة لحظة مفارقة جدتي هذه الحياة.


ساعدنا الرجل الكريم في إنزال الحقائب وودعنا بروح طيبة وأمنيات سعيدة، فمكثنا برهة أمام بوابة النُزل المزينة بطوق من أزهار الخزامي البنفسجية ذات الرائحة الزكية في صمت، وقلوبنا يتوجسها مزيج من القلق والترقب، مالذي يجب علينا قوله أو القيام به ونحن نعلم جيداً أن كُلاً من والدتي وخالتي لم تكونا على علاقة جيدة معها؟! 


سحبت نفساً عميقاً ثم طرقت الباب بإستسلام فلن يفيد وقفنا هكذا شيئاَ ولا مجال للتراجع.. انتظرنا قليلاً ومن ثم تشابكت أيدينا سوية مع صوت وحركة ادارة المقبض، انفراج الباب على مهل قاتل أمامنا وكأنه لا ينوى الإنفراج أبداً!..


-" رباه .. إنها جميلة وتنبعث منها رائحة الزهور" 

كان هذا أول انطباع أخذناه عن المرأة الثلاثينية الجذابة أمامنا.. جسد ممشوق بثوب جميل محتشم و بشرة صافية نظِرة لا تشكى شيئاً، ناهيك عن شعرٍ كثيف لامع أخجلنا من مظاهرنا المشعثه.

ابتسمت السيدة بلطف ورحابة بعد أن جحظت عينيها لثوان معدودة: 

-لا بد وأنكما صوفيا و ألكسا، تفضلا رجاءاً كنت بإنتظاركما طيلة ساعات النهار.


ولجنا الى الداخل والخجل يتملكنا من لطفها ولباقتها، ثم تركنا حقائبنا في الردهة عندما طلبت منا اللحاق بها الى صالة الإستقبال الرئيسية، حيث سُرعان ما ذُبنا عشقاً و أطلقنا العنان لإنبهارنا من رائحة المكان العطرة وأجواءه الحميمة التى تعجز عن وصفها الأحروف والكلمات، تنسيق الأثاث المختار بعناية فائقة و توافقه مع ألوان الطلاء الهادئة ثم توزيع المزروعات و مزهريات الورود المتفتح جميعها لفحتنا براحة عجيبة لامست القلب و أفرطت في تدليله حتى النخاع.

-إذاً .. كيف كانت رحلتكما الى هنا؟ أرجوا من أنها لم تكن بتلك الصعوبة ؟
قالتها وهي تضع أمامنا كوبين لمشروب عطري دافء ناسب كلتينا بلا استثناء رغم تضارب أذواقنا في العادة، أجبتها بخجل:

- لقد كانت متعبة بعض الشيء ولكن الطريق الوعر الى هنا هو الأسوء دون شك! 


ابتسمت بلطف: 

-لا عجب من نفور السائحين إذاً.. لطالما طالبت البلدية بالشروع في تعبيد ذلك الطريق حتى تنتعش القرية ولكن لا حياة لمن تنادى، جُل الإهتمام ينصب على المدينة وحدها!.


تبادلتُ مع وألكسا نظرة سريعة أثارت تعجب السيدة فأردفت متسائلة بلطف:

- مالخطب؟ أهنالك شيء ما عالق بين أسناني؟


ضحكنا لتعليقها وشاركتنا الضحك، عندها شعرت بأريحية لأسألها أخيراً: 

-عذراً سيدتي ولكن أين أجد جدتي؟ أشعر أنه من غير اللائق أن نرتاح قبل أن نلقى عليها التحية!، هل يمكن بأنها خلدت الى النوم بعد تأخرنا في الوصول؟ 


أجفلت السيدة قليلاً وأراهن من أن نظرة عميقة حزينة اجتاحت عينيها الزرقاويين وهي تجيب: 

-لا داعي للقلق بشأن ذلك .. إنها أنا صغيرتي صوفي 

تلعثمت وبلعت ريقي بصعوبة من شدة اندهاشي، إنها ليست كما تصورت البته! .. بل و تميزنا أيضاً قبل أن نُعرفها على أنفسنا!! أردفت بخجل:
- آسفة .. جــ..ــدتي أنا .. 


ابتسمت وقالت وهي تشير بيدها بسلام:
- هون عليكِ صغيرتي، من يلومك ولم يسبق لكِ رؤيتي من قبل 


وكدت أن أصاب بسكتة قلبية حين أردفت ألسكا المصعوقة هي الأخرى بلا اكتراث: 
-ولكن لا يزال، لا يمكن أن تكون "جـ ـدتـ ـي" بهذا الشكل، المفترض أنك عجورة من نوع ما !! 


نهرتها بخجل وغضب:
- ألكسا..!!


ضحكت جدتي حتى كُشف عن أضراسها البيضاء المتراصة: 
-أتصور أن هذه هي أحد فوائد العيش في بيئة طبيعية بعيدة عن التلوث، كما أنني أنجبت والدتكما وأنا في الرابعة عشر ربيعاً ومن ثم خالتكما في السنة التي تلتها .. 

-"اذاً كم تبلغين من العمر الأن تحديداً؟!" 

حتماً سأنتزع شعرات هذه الفتاة المجنونة عندما أختلى بها، كافحت هذه الرغبة بصعوبة وأنا أصك أسناني غضباً من حديثها البعيد عن اللباقة.. كيف تتجرأ وتسأل عن عمر شخص تقابله للمرة الأولى إنها لا تصدق!.. لربما كان يتوجب علي تركها عند خالتي حتى أتجنب الوقوع في احراجات كهذه، فمن الذي يورطنا في المتاعب منذ الأن ياترى؟



- إذا كنت محظوظة كفاية فسأحتفل بعيد مولدي الخمسين بصحبتكما مع نهاية الصيف، ويبدوا أن صغيرتنا ألكسا بحاجة الى دورس في التهذيب واللباقة أليس كذلك؟

حاولت كتمان ضحكتي عن النفاذ ولكنني لم أنجح في ذلك بينما أستشاطت ألكسا غضباً وطلبت من جدتي إرشادها الى غرفتها حتى تغتسل وتريح جسدها من وعثاء السفر.



استجابت المرأة اللطيفة لها فحملنا حقائبناً مجدداً وصعدنا معها سلالم الدرج مروراً بطابقين جميلين تكثر عن أيمانه وشمائله حجرات موصدة الأبواب، تراء لنا من أننا نمكث في واحدة منها حيث أن منزل جدتي هو النُزل ذاته، لكنها تابعت الصعود حتى انتهى بنا المطاف الى ممر صغير به بابين متجاورين بحيث لا مجال للإرتقاء أكثر، في ذلك الوقت أخرجت جدتي من جيبها حمالة مفاتيح ضخمة وأختارت مفتاحاً عليه عقدة حمراء لطيفة.. أدخلته في فُتحت الباب المواجه لسلالم فستجاب لها وولجنا الى الداخل من ورائها.


أُضيئت الغرفة بعد أن أشعلت جدتي المصباح الوحيد بها وعندها كانت المفاجأه .. 


تحدثت ألكسا بفضاضه وهي لا تكاد تصدق عينيها: 
-أنتِ تمزحين بكل تأكيد.. إنها العلوية!!


اجابتها أعين جدتي وقد تبنت نظرة صرامة مخيفة لتزيد من اندهاشنا وقالت بهدوء ونبرة تخلوا من العواطف: 
-وهل تظُنين من أنني أخسر فرصة تأجير غرفة حتى أمنحها لحفيدتي المدللة التى لم تدفع لإستحقاقها بنساً واحداً! بهذه العقلية سأنتهى مفلسة أفترش قارعة الطريق عزيزتي.


أجفلت ألكسا من أسلوب جدتي المغاير للطفها البالغ في إستقبالنا قبل قليل، ولأكون صادقة فقد فاجئتني بفعلها أيضاً و أوجست منها خيفه لإنقلابها مئة وثمانين درجة، وقالت ألكسا بإندفاع : 
-حباً في الرب لا يوجد مخلوق صحيح العقل يرغب في أن تطأ قدمه هذه البقعة المنفية من العالم، بالتأكيد لن يضرك منحي غرفة واحدة لحين عودتي بدل تركها خاوية يسكنها الجن والمردهـ .


مدت جدتي يدها الطويلة نحو ألكسا وهي تُناظرها ببرود في مشهد حُفر في ذاكرتي الى الأبد وقالت برزانة: 
-إذا لم تعجبك العلوية فخيار استئجار غرفة في نُزلي متوفر دائماً،الليلة بمئة دولار، عشرون اضافية اذا أردتي إضافة وجبة الإفطار معها.. 


صمتت ألكسا لوهلة قبل أن تحتد نظراتها وتجيبها بثقة تعكس عن قبولها تحدي جدتي وقالت: 
-حسناٌ إذاً .. اذا كان المال بُغيتك فهو ليس مشكلتي على الإطلاق، سأكون سخية وأمنحك علاوة ١٠٪ لكونك جدتي فمارأيك؟.


تجاهلتها جدتي بكل برود و وجهت نظراتها الباردة نحوي فسرت القشعريرة في بدني دفعة واحدة، ثم قالت:
- وأنتِ صوفيا هل ترغبين في استئجار غرفة خاصة؟


نفيت برأسي سريعاً ونظراتها الحادة تخترقني، لقد وعدتها سلفاً ضمن كتاباتي لها من أنني سأقبل بأي من شروطها وهذا ما يجب على الإلتزام به، وقلت بنبرة سريعة:
- كلا أشكرك على سؤالك لكنني سعيدة بالعلية ولا مانع لدي من المكوث بها.

-جيد إذاً .. أراك في تمام الخامسة صباحاً، سأجعلها السادسة للغد فقط كونك مجهدة من السفر ولن أقبل بدقيقة من التأخر، ستساعديني في التنظيف واعداد وجبة الإفطار ثم حرث المزرعة كثمن لبقائك، ولربما أمنحك علاوة أخر الشهر إذا ما أُعجبت بأدائك. 


رمقتها ألكسا بذهول ومن ثم حولت نظرها نحوي بسرعة وعينيها تنظُران عن إذا ما كنت سأقبل بهذه الإهانة الصريحة على حد فهمها، أشرت لها بالصمت وشكرت لها امتثالها قلبياً وأنا أعلم مدى صعوبة تقبلها لرؤيتي أُعامل بهذه الطريقة دون اختناق الفاعل، انها جدتي ولن أجعلها في موقع العدو مهما حدث.. 


حولت جدتي نظرها نحو ألكسا أخيراً مما منحني بعض الأرتياح و حادثتها بهدوء: 
-رجاءاً رافقيني الى مكتب الإستقبال حتى نكمل أوراق مكوثك لدي 


تبعتها ألكسا وهي تنقل بصرها بين الطريق أمامها وبيني بأسى فلم يكن من السهل عليها تركِ أبيت في العلية وحدي، وبالوقت ذاته لا تستطيع التدخل في شؤوني الخاصة كما سبق وأن أتفقنا منذ زمن طويل..

و بعد خلو المكان تلفت حولي لأتفقده فوجدت سريراً مزدوجاً وبقربه منضدتين صغيرتين وضع على كل واحدة منهما اضاءة اثرية جميلة، كما توجد خزانة ثياب خشبية نظيفة على الجانب المقابل للسرير، تحركت في المكان بسلاسة ووسع وألقيت نظرة على الحمام المتصل بالغرفة من الخارج وكان الباب المجاور للغرفة ..

وبعد تبادل نظرة عقلانية سريعة أجدني مجبرة على الإعتراف من أن المكان لا ينقصه شيء لكنه بالتأكيد لا يقارن مع جناحي الخاص في الطابق الثلاثين بأول فندق امتلكته والدتي واطلالات نوافذي التى اُحسد عليها من قِبل جميع صديقاتي ومن سبق وزارني بها بلا استثناء.


أثار سروري وجود نافذة بيضاوية بالمكان أتضح أنها تفتح على سطح النُزل حين تفقدتها، ولم أتمالك سوى التبسم برضا لطريقة سير الأمور في عقلي، إنها طريقتي الفعالة في رؤية الأمور من منظور إيجابي حتى اتخطى ما أرغب من الصدمات بأقل أضرار داخلية ممكنة وفي هذه المرة تحديداً صدمتي من أفعال جدتي المتناقضة في غصون جزء بسيط من الساعة، أيا ترى لهذا السبب تركتها كلاٌ من أمي وخالتي معاً وهربتا من القرية فيما مضى؟.


أبعدت هذه الأفكار الخاطئة عن رأسي وأنا أحاول الإحتفاظ بالإنطباع الحميم الأول الذي تركته جدتي في نفسي لحظة لقائها، فقد كانت لطيفة مشرقة وتفوح منها رائحة الزهر.



~~~






ألكسا ..


زفرت بإرتياح حين أختليت بذاتي داخل أحد مخادع النزل بعد أن سلمتني تلك المتسلطة المفاتيح وحملتني على انهاء الكُتيب الممل العجيب، حباً في الرب كيف تسير الأمور داخل عقلها الضيق فالمرء يريد استئجار غرفة مفردة لا قصرً يصاحبه فيه اللاعب دايفيد بيكهام!، ومن ثم من أين لها الإتيان بكل تلك الشروط؟ لقد توقفت عن القراءة منذ السطر الثاني وصدقاً لا أعلم مالذي أمضيت عليه! على الأقل الغرفة جميلة عكس تصوراتي الدرامية ولا تفوح منها رائحة الحضائر والبهائم.

لم أكترث لحقائبي المبعثرة هنا وهناك وجل ما قمت به هو خلع حذائي الباهظ الذي سيلقى في مكب للنفايات مع أقرب فرصة سانحة بعد أن أضحى عشاً حميماً للأوبئة والمكروبات، صدرت مني تنهيدة عريضة عندما فردت جسدي المنهك على السرير وابتسمت لملائمته ذوقي المعقد بالنسبة الى درجة ليونته .. هذا يقودني الى التفكير بشأن شقيقتي، المسكينة صوفي أرجوا أنها لا تشعر بالبرد في العلية حتى لا تصاب بالرشح، كيف أمكنها السكوت عن أفعال هذه المرأة المجنونة بهذه السلمية! لن أسمح لها قطعياً بقضاء وقت أطول معها فهي ليست أهل للثقة على الإطلاق، وجُل ما أحتاجه الأن هو اتصال فعال مع الشبكة العنكبوتيه بالغد حتى أغير مواعيد رحلة العودة الى أقرب فرصة ممكنة وعندها سأحملها على العودة معي مهما تطلب الأمر.

في صباح اليوم التالي، فتحت عيناي بتكاسل حين توالى صوت رنين الهاتف الموضوع على المنضدة المقابلة بلا انقطاع، رباه لقد أعتقدت أنه قطعة أثرية بالأمس مع شكله القديم و ولونه العتيق!، رفعت السماعة المضحكة ووضعتها على أذني بإهمال فيداي لا تزالان مخدرتان من حلاوة النوم فوق المرتبة وقلت بتثاقل:.

-همم

أتاني صوت صوفي البشوش من الطرف الأخر وهي تتحدث بصورة أرابتني حيث قالت: 

-صباح الخير آنسة أليكساندرا، يود النزل إعلامك من أن تقديم طعام الإفطار سينتهى بعد نصفِ ساعةٍ من الأن، هل تودين القيام بطلبية خاصة الى غرفتك عوضاً عن الإنضمام الى صالة الإفطار؟ 

عقدت حاجبي بإنزعاج وأنا أعتدل في جلستي بتهكم:

 -صوفي مالذي جرى لعقلك هذا الصباح؟، لم يكن المزاح من أفضل صفاتك على حد علمي! 

ردت علي بذات البشاشة المغيظة وقالت: 

- نعتذر عن التسبب في إزعاجكِ آنسةِ، لدي ملاحظة تفيد برغبتك في التنبيه عن مواعيد الوجبات، هل ترغبين في إلغاء هذه الخدمة؟!

حسناً، أصبح الأمر مزعجاً الى حد كبير.. لربما وقعت على هذه الخدمة بالأمس ولكنني لا أذكر الكثير حقاً مما ذُكر في ذلك المجلد، وهذا ليس مهماً الأن، أجبتها ببرود: 

- لا ضير في ذلك فلن يطول بي المكث هنا لأكثر من الليلة الفائتة
- حسناً إذاً، طاب صباحك آنسة أليكساندرا، أرجوا أن تكوني قد استمتعتِ في إقامتك لدى نُزل المحيط.


أبعدت الهاتف عن أذني حين أُغلق الخط وشفاهي مزمومة بتعجب، وسرعان ما دفنت رأسي في الوسادة بعد أن أعدته بإهمال، إلا أن عقلي ظل مشغولاً بأسلوب صوفي ومتسائلاً عما فعلته بها تلك العجوز؟

أطلقت زفيراً ساخطاً وأنا أنهض وأبعد الفراش عن جسدي دفعة واحدة، حتى أهبط بنفسي وأرى مالذي جرى لتلك الفتاة ومزاجي متعكر من تركِ للسرير، وحين دنوت درجات السلالم المفروشة بسجاد بنفسجي فاتح اللون توقفت عن متابعة النُزل لبضع دقائق وأنا أتأمل بذهولٍ جمال المنظر الخلاب أمامي، فالواجهة الزجاجية للصالة المطلة على مساحات شاسعة من الحدائق الخضراء الغناء لم تتحصل على إنتباهي بالأمس من ظلام الليل وإجهاد السفر..

لقد جبت مختلف بقاع العالم مع أمي منذ نعومة أظافري إلا أنه قل ما صافح بصري جمالٌ ممثال وعذارية فريدة بحيث ليس ليد الإنسان تدخلٌ فيها، تمازج اللون الأخضر اللامع بمختلف درجاته مع الأصفر ومن ثم لمسات الزهور المتفتحة و أشعة الشمس البراقة!.. لا أنكر من أنني أعتقدت لوهلة من أن ما أراه الأن هو محض لوحةٍ مرسومة بإتقانٍ متناه حتى أبصرت تمايل أوراق الشجر و ركض الأرانب الصغيرة بحرية و اطمئنان مما دب بروح الحياة في طيات ذلك المشهد الساحر.

- صباح الخير آنسة أليكساندرا، إنه نهار جميل بالفعل أليس كذلك؟!

أستدرت الى مصدر الصوت البشوش لأجد سيدة خمسينية لها قسمات لطيفة، ترتدي ثوباً مورداً كان ليكون أكثر أناقة مع بعض الإضافات البسيطة.. لم أجب ولا أدري لماذا أتأخر عن الإجابة دائماً في مثل هذه المواقف، مما يثير ردود فعلٍ غير ودودة تستجلب ظهور جانبي الفظ رغماً عني.. تنبهت حين أنضمت صوفي لنا وهي تقول بمرح:

-أوه سيدة لينا لقد تقابلتي مع شقيقتي ألكسا إذاً؟

أجابتها السيدة بمودة:

-ويالها من صبية فاتنة، ستأسر قلوب فتيان المدينة بكل تأكيد 

ناظرتني صوفي بأعين منذرة فستيقظت من شرودي وأجبت بشيء من البرود: 

-صباح الخير سيدتي.

أبتسمت بدفء في وجهي وقالت وهي تربت على عضدي مما أزعجني كثيراً فأنا لا أحبذ أن يمسني الغرباء بتاتاً وكنت سأطلب منها التوقف لولا وجود صوفي في الجوار، ثم قالت:

- أوه صغيرتي الهزيلة تبدين مجهدة حقاً، ألحقي بي سأصنع لك أطيب عجة تذوقينها في حياتك كلها..

وهاهي تضيف سيئة أخرى الى رصيدها معي، أنا فقط لا أطيق من يمجد صنيعه الى هذه الدرجة.. وهل حياتي بهذه البساطة حتى أتعلق بمذاق عجة امرأة عجوز لم أرها قط من قبل؟!، أبتسمت بشيء من اللامبالاة وأردفت بعد أن فاض بي الكيل من مسار هذه المحادثة الودودة الى درجة السخافة: 

-شكراً لك على عرضك إلا أنني في عجلة من أمري لذا أرجوا أن تعذرينا. 

ثم سحبت صوفي سريعاً دون الإنتظار لسماع جوابها فصدقاً لم أكن لأكترث له، وتوقفت حين أستردت صوفي معصمها بشيء من الإنفعال، فأيقنت بأنها ستبدأ مواعظها المعتادة وعليه تلبست التبلد في استدارتي نحوها بتضجر، إلا أنني تفاجأت حتى النخاع لدي رؤية إبتسامتها المصطنعة وهي تفتعلها بصعوبة كونها تطبق على شفاهها بقوة حتى تتمكن من كبح ما تريد قولها في الحقيقة: 

-آنسة أليكساندار في ماذا أستطيع خدمتك الأن؟!

في تلك اللحظة أردت الصراخ بها لتتوقف عن التصرف معي على هذا النحو المقيت، إنها أشبه بالدمى وهذا يثير سخطي فوق المعقول، أجبتها بجدية: 

- لا توجد شبكة في الفندق وعلى الذهاب الى القرية المجاورة لتغيير موعد حجوزات العودة الى الليلة، سأذهب الأن بوسعك التوقف عن إطاعة تلك المرأة وتجهيز حقائبك ريثما أعود صوفي

و شعرت بتغير الأجواء حين تقدمت جدتي الى مسرح الأحداث وهي تبدو أكثر صرامة مما بدت عليه بالأمس، فشعرها الأشقر الفاتح مشدود الى الخلف ومعقودٌ في عقدة واحدة، و أما ثيابها فلم تتضمن سوى مزيجاً قاتماً بين الأبيض والأسود لتبدو محترفة من الدرجة الأولي، وما أيقظ أستشعراتي بالكامل هو تلك اللهجة الأمرة التي أستخدمتها مع شقيقتي ولم أكن لأبالي بطبيعتها المهذبة: 

-أذهبي الأن و أكملي أعمال المطبخ ومن ثم أراكِ لاحقاً لمناقشة مستوى أدائك منذ صباح اليوم ..

فتراجعت شقيقي وهمت بالذهاب قبل أن أستوقفها بحديثي المنفعل: 

- لا تتجرأي حتى على تنفيذ ما تطلبه هذه المتسطلة صوفي!، رباه ألا ترين كيف تعاملك كخادمة منذ أول نهار لك معها؟! لا تقلقي بشأن الحقائب الأن ولنذهب سوية لتبديل رحلة العودة 

هنا توجهت جدتي بحديثها الرزين المتسلط معي وكأنها تعلن الحرب ضدي: 

-الأنسة صوفي لن تذهب الى أي مكان للشهرين القادمين آنسة أليكساندرا، لقد أتمت توقيع عقد عملها لدي صباح اليوم وسيترتب على كسره عقوبات قانونية وخيمة، إنها تدرك ذلك جيداً


المرأة المسكينة، إنها لا تعرف من أكون ولا تعلم مع من تتواجه، عقدت يداي أمام صدري وأنا أجيب بإندفاع: 

-المال مجدداً! .. سأدفع لك ضعف ما تريدين ولكنها لن تبقى لديك لساعة إضافية، أهذا كفيل بحل الخلاف هنا؟

تجاهلت حديثي تماماً وكأن شيء لم يكن واستدارت تُحدث صوفي مجدداً فتراجعت شقيقتي وأختفت عن مجال نظري دون أن ترد عليها بحرف واحد!، ماهذا الجنون الذي يجرى هنا ومالذي دهى صوفي لتصاب بالخرس هكذا!، إنها طيبة جداً لكنها ليست من النوع الذي يقبل الإهانة هكذا دون اعتراض!

تخطتني جدتي وعندها أصبحت وحيدة في تلك البقعة، كنت أغلي بما فيه الكفاية فسارعت بالبحث عن بوابة النزل لأنفذ بجلدي من تلك البيئة الخانقة على الرغم من جمال ما يحيط بها، وعلى هذا مشيت مبتعدة عن النُزل مسافة طويلة جداً بحثاً عن أثر للمدينة، وكان جل ما يحيط بي هو جبال وغابات كثيفة وزروع ولا غير حتى وصلت الى مفترقاً يؤدي الى ثلاث طرق متعرجة إحداها يكون طريق العودة من حيث أتيت وهذا مالن أسلكه حتى أحقق مطلبي! 

- سحقاً .. أين أنا الأن ؟

تلفت برقبتي يمنة ويسره علي أفلح في تحديد أي الإتجاهين أسير ولم يكن هنالك أي دلائل أو إشارات مساعدة، رباه في أي العصور نعيش حتى لا تتوفر مثل هذه الخدمات الأساسية في الطرقات؟!

وقررت الإنتظار بعضاً من الوقت تحسباً لمرور أحد ما فأسأله، وكان ذلك قبل أن أشاهد سيارة تسير في اتجاهي يصدر منها أصوات موسيقي صاخبة أصابتي بشيء من التخوف كلما تقلصت المسافة بيننا حتى أنتهت الي وتوقفت عن الحراك، عندها تلاشت رغبتي سريعاً في الذهاب الى أي مكان وأشحت بوجهي بعيداً حين أطل شابٌ من نافذة السيارة القديمة ليسألني بلكنة قروية مضحكة:

 - آنسة الى أين تذهبين؟

ولم أشعر برغبة في الإجابة وأنا أشعر بالإشمئزاز الشديد من كل شيء حولي فتابعت المسير الصامت، وازداد الوضع سوءاً مع هبوب نفحات باردة متتالية مع استمرار تكدس الغيوم في السماء رغم اشراقة الشمس الجميلة صباح اليوم، فأخذت بالمسح على عضداي العاريين في محاولة يائسة لتخفيف شعوري بالبرودة وأنا مبقية على تجاهلي له، وسرعان ما صرخت و قفزت الى الوراء حين حرك السيارة سريعاً وتوقف بها على محاذاتي ليصبح وجهه أمام وجهي مباشرة، ثم أطبقت بيداي فوق قلبي لتهدأت ضرباته التى أزدادت بعد تفحص عيناي لملامحه الفريدة و شعره الداكن الذي يكاد يلامس كتفيه.. تحدث بشيء من الجدية السخيفة وهو يحاول التأثير بي كما كان واضحاً: 

- لا يجب على صبية البقاء في نقطة خالية كهذه!، أركبي وسأوصلك الى حيث تشائين! 

ناظرته بزدراء لمحاولته تقمص دور الرجل النبيل، كل ما عليه فعله هو تحوير عينيه بإتجاه مراءة السيارة الجانبية ليدرك من أنه أبعد ما يكون عن ذلك بهيئته القذرة و مظهره الأشعث، وشعرت برغبة ملحة في تفجير سخطي عليه ففعلت دون إطالة في التفكير قائلة: 

-محاولة جيدة، والأن ما رأيك بأن تصبح أكثر ذكاءاً وتختصر على كلينا أساليبك المبتذلة في المغازلة! لست مهتمة بخدماتك ولن أكون كذلك أبد الأبدين فغادر رجاءاً..

أجفل الشاب لثوانٍ معدودة قبل أن يغرق في نوبة ضحكٍ حاول كتمانها خلف قبضة يديه التي أطبقت على فاهه ومن ثم على جبينه مما أثار حنقي الذي أزداد بعد أن أردف وهو لا يزال على حاله الساخرة:

- لا أكاد أصدق أن مثيلاتك لا تزلن على قيد الحياة، كفى عن الحماقة ودعيني أختصر عليك عناء المسافة
- فلتعدها ما شاءت فقط أغرب عن وجهي رجاءاً


تابع ضحكه فتجاهلته وتابعت المسير دون أن أعلم حقيقة الى أين سأنتهى، سوف لن أسمح لذاتي بالتجادل مع قروي مثله لأطول من ذلك حتى لا أصاب بعدوى السطحية والغباوة منه، صرخت بغضب حين أصابتني قطعة القماش التي ألقاها علي من النافذة وهو يتخطاني بسيارته العتيقة البشعة، وسرعان ما شعرت بالإهانة حين أتضح لي من أن ذلك القماش لم يكن سوى سترة صوفية رجالية.. أيظن حقاً من أنني أضعها على جسدي بهذه البساطة!.. وعلى ماذا الغضب فمالذي أتوقعه من شاب له عقلية مسطحة جراء تعرضه المستمر لموجات السخف المنتشرت في الأجواء!.

كورت الكنزة بحقد وأردت أن ألقيها أرضاً وأن أمرغها بقدماي التي أعياهما طول المسير، إلا أن نفحة برد أخرى أتدثر بها سريعاً وأنا ألعن الساعة التى جعلتني أقدم على هذا القرار الغبي في القدوم الى هذا الجحيم.

لم يمضى الكثير حتى مرت شاحنةُ ضخمة لحمل البهائم، وكان خيار مرافقة السائق العجوز حتى نصل الى القرية المخفية عن الأعين قهرياً بعد أن تورمت قدماي و أبت مواصلة المسير.



~~~ 



صوفي..


إنها التاسعة مساءاً ولا أثر لألكسا حتى الأن، ترى مالذي يأخرها عن العودة الى هذه الساعة؟! سحقاً، وكأنه ينقصني التعامل مع مزيد من الهواجس الأن، لهذا لم يكن من الصحيح الإذعان الى رغبتها في القدوم معي فهاهي المتاعب تحل على رأسي منذ أول يوم وأنا التى أملت الإبتعاد عنها…

بقيت متسمرة أمام بوابة النزل لما يقارب الساعة حتى لاح لي ضوء سيارة من بعيد، أصلحت الوشاح الذي ينزل على كتفي ويغطي معظم أجزاء جسدي دون ساقي وكلي أمل من أن أنتظاري الطويل بهذه الليلة الباردة سينتهي مع وصول السيارة، وكنا لي ذلك فهاهي الشقية تترجل منها و تتقدم مني بهدوء عكس لي مقدار إجهادها. وكعادتي لم أضيع وقتاً للتعبير ما ما يخالج صدري بكل صراحة وسخط:

- آنسة ألكسا مالذي كنت تفعليه خارجاً منذ الصباح الباكر وحتى هذه الساعة!


ناظرتني بحقد و أجابت:
 -رائع والأن أصبحت أمي أيضاً!.. أهنالك مزيد من الشخصيات المزدوجة التي يجب علي توقع ظهورها في الأيام التالية؟


قاطعتها بحدة: 
- مرحى لك فلن تكوني هنا طويلاً لتحظي بشرف رؤيتها جميعاً والأن أجيبيني ألكسا، هل لديك أدنى فكرة عن مقدار القلق الذي فرضته علي طوال النهار! 


تخطتني الى البوابة وهي تطلب مني مرافقتها فتبعتها حتى أنتهينا الى غرفتها في الطابق الأول للنُزل .. أغلقت الباب بهدوء خلفنا فقد سكنت حركة النزل منذ الثامنة مساءاً وهنالك تنبهت الى تلك الكنزة البنية الثقيلة حين خلعتها وألقت بها على كرسي في أحد أركان الغرفة، حملتها بإستنكارٍ و بادرت بسؤالها عنه:
- ومن أين لك هذا الذوق الفريد ألسكا! 


ألقت بجسدها على السرير وهي تتمتم: 
- أصنعي بي معروفاً و تخلصي منها في أقرب مكب للنفايات


تملكتني الشفقة رغماً عن اراداتي فقد بدت متعبة جداً من ملامح وجهها العابسة كما أنها لم تملك الكثير من الطاقة للإجابة على تساؤلاتي، فأقتربت من السرير وجلست على أحد أطرافه ثم قلت برزانة ووضوح:
 -أظن أنه من الصواب أن تعودي الى خالتي ألكسا، أشكر لك لطفك وقيامك بمرافقتي والإبقاء على صحبتي طيلة المسافة الى هنا ولكن ليست لدي أدنى فكرة للعودة قبل انتهاء اللإجازة الصيفية مهما تعددت حججك، فلا تتكبدي عناء حمل ذاتك على البقاء في مكان لا يناسبك عزيزتي


تمتمت بعد أن أخرجت رأسها من بين الوسادة وقالت:
 - لماذا تتمسكين بالبقاء هنا وهي تعاملك بهذه الطريقة السيئة؟ 


ابتسمت وأجبت بأريحية: 
- لن أخفيك ألكسا، أنا لا أزال قلقة من تبعات قراري هذا ومن أفعال جدتي المتناقضة، إلا أن القدوم الى هنا كان حُلمي منذ الطفولة، كما أن المكان ساحر والطعام شهي ولذيذ و اتضح لي أن العمل ليس سيئاً جداً هو الأخر


أردفت وهي تتحشى النظر في عينياي:
- إنها ليست كما تتصورين في مخيلتك الجامحة صوفي، لما لا نذهب في نزهة الى سويسرا سوية إن كان ما تطمحين إليه هو الإستجمام بالإسترخاء بعيداً عن صخب المدن، لا أظن أن كُلاً من أمي وخالتي قد هجرتا تلك المراءة دون اصابتها بمشاكل نفسية حقيقة يمكن أن تضر بك! 


نظرت إليها بمودة:
 -كفى ألكسا تعلمين جيداً أنها ليست بذلك السوء، لقد شعرتِ بذلك مثلي لحظة أستقبالها لنا بالأمس أليس كذلك؟، نحن فقط لم نحصل على الوقت الكافي لفهمها كما يجب، وكما تعلمين جيداً فأنا أفضل أن أثق فأندم على أن أشك فأندم وهذا ما أنا عازمة على تنفيذه فيما يتعلق بجدتي 


ابتسمت وقالت وهي تنظر الى بنصف عين:
-أنت مجنونة أتعلمين؟ 


ضحكت: 
- هذا اللسان الذي لا يُريد بك خيراً، بالمناسبة هل تمكنت من تغير موعد الرحلة أم أن مغامرتك اليوم لم تتكلل بالنجاح؟ 


أجابت بآسى و حقد: 
- لا مقاعد شاغرة مع الآسف الشديد وسأُبقى على صحبتك لأسبوع أخر قبل أن أعاود انضمامي الى موكب الحضارة في الديار!، إن كل ما أرجوه هو أن تنقضى هذه المدة سريعاً وبسلام 

تفقدت عيناي ساعة الحائط الأنيقة و أجفلت بفزع فلم أدرك تأخر الوقت الى هذه الساعة، هذا سيء فساعات عملي تبدأ باكراً صباح الغد، أستقمت من فوري وتمنيت لها ليلة سعيدة قبل أن أخرج وأقصد الطابق الأخير بحثاً عن السرير، لقد كان يوماً طويلاً ولا أصدق كيف أشتاق الى النوم بهذه المشاعر القوية الصادقة ..


...................


Chapter 2





-٢-






ألكسا 




إنه صباح اليوم السادس على تواجدي في هذا المكان المنعزل، وأنا لا أجد رغبة في داخلي لفعل أي شيء سوى الإستلقاء أو الجلوس على الشرفة لإستنشاق الهواء.. ولم أجد عزاءً في قنوات التلفاز المملة فلم أضيع وقتي أمامه على الإطلاق.



كنت أراقب صوفي خفيه وهي تتحرك في الجوار من حين لأخر، المجنونة لم أراها تكد في حياتها كما فعلت في الأيام السابقة ومع ذلك تبدو سعيدة وراضية!.


اختلافاتنا الجوهرية في أساليب الحياة جعلتني أفتكر مؤخراً عما إذا كانت كلتانا من ذات الأبوين! ورداً على هذه الأفكار الموحشة اجتاحتني رغبة مفاجئة في التبسم حين راودتني ذكريات من طفولتنا المليئة بالضحكات.. كنا نقوم بكل شيء سوية كما لو كنا توأمتين، أوه وحتى في اللباس.. فأنا لا أزال أذكر و بكل وضوح صورة الثوب الأزرق ذو الخطوط الحمراء والبيضاء العزيز .. كنا نردتيه كما لو لم يكن لدينا ثوب غيره!، وبه نألف الرقصات الإستعراضية لساعات طويلة خلال النهار، حتى إذا ما جاء المساء نستعرض بها أمام أبي وأمي اللتى لم تكن قط شاغرة.. فعلى عكس روتين الحياة في أغلب البيوت حيث يدرس الأطفال ويعمل الأبوين نهاراً لتهدأ الحركة في الليل .. الحياة في فندق هي على النقيض التام فعادة ما يكون النهار هادئاً ومن ثم ما يلبث أن يشتد نشاط قاطنيه بالليل.


تنبهت من فقاعة الذكريات الدافئة على وجه البستانيه صوفي وهي تلوح لي بقفازها الغليظ المتسخ بالسماد من حديقة النُزل، فختفت ابتسامتي وأسرعت الى الداخل والخجل يحرق وجنتاي من رؤيتها لي أضحك كالأغبياء بلا سبب! 


جاء الليل مسالماً وخيم على أرجاء الأرض الغناء وكنت مشغولة في مهمة تجهيز حقائبي للعودة الى أوكلاند العاصمة بالغد قبل أن استرعتني حركة قريبة من الباب، توجهت إليه وفتحته فوراً وتفاجأت من انحناء صوفي أمامه وكانت على وشك دس شيء من فتحته التحتيه البسيطة.. نظرت الى مبتسمة بسرور وقالت وهي تستقيم بنشاط: 

- وددت أن أمنحك شعور المغامرة إلا أنك متيقظة أكثر من اللازم!، لقد جهزت عشاء وداع لكِ فما رأيك بالإنضمام الي خلال نصف ساعة يا آنسة 


رمقتها بريبة ثم قلت:

- وحدنا؟!

ضحكت برحابة ثم أجابت:

- بلى، كنت أخطط لهذا طيلة النهار فلا تتأخري وإلا خلدت الى النوم وتركتك وحيدة.


قلت بإمتعاض وأنا أرفع حاجبي ساخرة: 

- وكيف سمحت لك العجوز بحمل الطعام الى غرفتك!.. أليس محظوراً في مُعجمها!


أومأت برأسها إيجاباً وقالت: 

- هو كذلك لذلك سأراك في المطبخ ألكسا.. على الذهاب الأن لتفقد الطعام 


وأستدارت بغرض الذهاب فأسرعت بإلتقاط المظروف المبهرج من يديها المعقودة الى الخلف .. شهقت بفزعة بسيطة ثم قالت بملامة: 

- كل ما كان عليك هو طلبه يا آنسه فقد صنعته من أجلك في المقام الأول 


هززت أكتافي وأنا أستدير الى داخل الغرفة بعد أن قلت:

- لن أكون ألكسا إذا فعلتها بطريقتك صوفي.. أهتمي بالطعام رجاءاً فأنا أتضور منذ الصباح 


تفحصت البطاقة المزينة ببعض من الورد المجفف ببراعة ومن ثم فتحتها وأنا أغلق الباب من جديد لتصبح خلال ثوانٍ بسيطة أعظم ما امتلكت ذلك الصيف، حيث أن قدر المشاعر التى عكستها أحرفها الصادقة جعلتني أدمع من فرط التأثر والإنبساط.



لا حاجة لإنكار أن قرار مصاحبتي لها أتى بعد الكثير من التردد من جانبي، إلا أنني أثرت صحبتها طمعاً في استرجاع أيامنا الخوالي حيث كنا نتشارك أدق تفاصيل حياتنا بكل شغف وانبساط، ولأن هاجساً لم يبرحني من أنها تُسرق مني لسبب ما إذا لم أكن معها!.



التفكير في اسباب قدومي معها جعلني أدرك كم أنا بعيدة عن ذلك القصد!، فبدلاً من التركيز على قضاء وقت ممتع جعلت أتذمر من كل شيء بلا استثناء ولم أسمح لذاتي الإنسجام مع مجريات الامور على الإطلاق. 

تنهدت بحنق وأنا أترك العمل على الحقيبة المرفوعة فوق السرير لما اجتاحني من تأنيب الضمير، انها سيئة أخرى تضاف الى رصيد الإنفراد بالنفس بعيداً عجلة الحياة في العاصمة، حيث يصبح لدى المرء متسع من الوقت للتفكير والتأمل في حياته وخياراته، وسرعان ما تهاجمه التساؤولات المرهقة من كل حدب وصوب فتطالبه بالمزيد من التفكير والتأمل!.. إنه ليس وكأني لا أجد وقت فراغ في منزلنا بالعاصمة بل يكاد يكون الطابع الأدوم في حياتي هناك، إلا أنني وبطريقة ما أنجح دائماً في اغلاق الفرص بين أي تخاطر ممكن بين قلبي وعقلي ولا أراني أفلح في فعلها هنا!.


أنقضى الوقت سريعاً وكعادتي المتأصله تأخرت عن موعد اللقاء لما يقارب العشرة دقائق، أستقبلتني صوفي أمام الباب وهي تشير باسمة الى ساعة يدها فكشرت بدلال وأنا أرد بدافع:

- أنتِ من بين الجميع ممن يجب أن يلاحظ الإنجاز في قدومي مبكرة هكذا على غير عادتي


ضحكت وهي تلج من باب المطبخ المقوس وأردفت: 

- أعترف أنتِ تتغلبين على نفسك.


ثم وجدت صعوبة في اخفاء تفاجئي من جمال اعدادها للمكان وتناسق الأطباق المزخرفة مع زهر اللافندر العبق المتوسط قلب الطاولة، حيث بدأ وكأنه مشهد مصور من إحدى كتب الطبخ لما كان يعكسه من بهجة واتقان، كما أنها المرة الأولى التى ألج فيها الى المطبخ الفسيح المنمق وقد نال على إعجابي هو الأخر.. رفعت عيناي في مجالها فوجدتها ترمقني باسمة ومن ثم أشارت لي بالجلوس فجلست كلتانا في الوقت ذاته، قالت بعدها بسرور:

- إذا ما رأيك في شقيقتك ألكسا؟! لا أصدق كم تعلمتُ خلال هذه الأيام القليلة عزيزتي


سرني سرورها وشغفها بالتجارب والحياة فأجبت برنة مشابهه لحلمها:

- لطالما كنت فخورة بك صوفي، أنت مبدعة و شفافة الى الدرجة التى يغبطك عليها الجميع


انفجرت ابتسامتها لحديثي وشعرت بالرضا لإدخال السرور عليها، ومالبثت أن كشفت عن الطبق الذي أعدته ففاحت رائحته عذبة تزامناً مع تأوهي من طيبها.. شرعنا بعد ذلك في الأكل ونحن نتجاذب الخوض في سلسلة الأشغال المتنوعة التى أدتها في النزل وحوله، جنباً الى حكاياتها مع العاملين والزوار العابرين التى لم يتخللها أو يعترضها سوى ضحكاتنا الصادقة.. تماماً كما لو عاد الزمن بنا الى الوراء حين كنا طفلتين .. ليتها لو طلبت مني البقاء  


أغلقتُ حقائبي كاملة بعناء صباح اليوم التالى وأنا متجهمة من فكرة افتراقنا لما تبقى من أشهر الصيف الطويل، ولم أبذل أي جهد لإخفاء الإستياء من على وجهي، ألم يكفيها قضاء أسبوع كامل في هذا النزل البعيد عن أرجل البشر فنعود سوية!
 كتمت صوتي في داخلي احتراماً لرغبتها ووصلتُ بحقائبي الى ردهة النُزل، وهناك أنقبضت معدتي حين وجدت العجوز في انتظاري، رمقتها بقلة مبالاة كونها العلة في ربط صوفي في البقاء عندها بينما حيتني بدورها أولاً، فرددت التحية بتثاقل وأنا أكره الإنزعاج الذي ينتابني لدى تلاقينا، إلا أنه سيتوجب علي الإحتمال حتى أسجل خروجي من الفندق وأوقع على ما يلزم من المستندات الممله.. ومن بين البرود الذي تغشى الردهة إذا بصبي في حدود الثالثة عشر يقتحم المكان من جانب المطبخ على عجل وهو يصرخ منفعلاً :
- الأنسة صوفي وقعت في الأصطبل يا سيدتي

وبلا عقل أو دماثة صرخت بفزع ملء جوفي:
- ماذا تقول؟!

أرتعد الصبي من زمجرتي الشبيهه بأصوات الحيوانات الكاسرة فأشار الى الوراء وهو يرتعش، تجاهلت حقائبي ومحفظتي الموضوعة على طاولة الإستقبال مع باقي ممتلكاتي الشخصية وأنا أهرع الى حيث اشار وعلى ما يبدو بأن العجوز قد تبعتني فقد كانت أنفاسها الصاخبة ترافقني طوال الطريق الممتدد حتى وصلنا الى حيث تجمع البستاني والراعي و رجل أخر.. دفعتهم عن الطريق بلا اكتراث وأجفلت حين وجدت صوفي تحتضن جسدها وعروقها متشنجة وهي ترتعش في أحد أطراف الأصطبل، عندها أسرعت إليها وأنا أهذي بفزع:
- صوفي حبيبتي حباً في الرب أجيبيني؟!

احتضنتها بعنف وهي لا تتجاوب معي فبكيت من وطأة القلق وصرخت من جديد:
- اللعنة فليتحرك أحدكم ويبعد هذا الخيل من عند الباب، هل أنتم أصنام؟!

فأسرع الرجل بالإمتثال وأبتعد الجميع عن المكان بستثناء جدتي التى وقفت تراقب وهي مجفله تتنافض لما كان يدور بيننا، انقضى بعض الوقت وأنا أمسح على ظهر صوفي الهامدة وكان لِزاماً علي التصرف بحكمة حيال ما يجرى فقلت مخاطبة جدتي بهدوء:
- نحتاج الى نقلها بعيداً عن هنا، إنها تعاني من فوبيا الأحصنة و..

فأسرعت نحوي دون أن تنبس بحرف واحد وأخذنا نحاول رفعها عن الأرض إلا أنها بقيت تهبط متجمدة على وضعيتها والذعر يتلبس حواسها الساكنة.. همست جدتي بصوت أفزعني ضعفه وبانت رنة البكاء في حلقها وهي تقول:
- دعينا نستعين بأحد الرجال ليحملوها

أومأت لها بالإيجاب وجسدي يقشعر من ما خلفه صوتها الضعيف في عقلي المبهوت، واختفت للحظات وراء الباب الخشبي الضخم ثم عادت برفقة الرجل الغير مؤلف، تأملته بتفحص وعدائية إلا أنه تجاهل فظاظتي وأومأ لي قبل أن ينحنى بجسده الممشوق القوي ليحمل صوفي .. ومن ثم لازمته طوال الطريق الى النُزل وتحديداً غرفة جدتي، حيث طلبت منه أن يضع صوفي على فراشها الأبيض ففعل ثم غادر بهدوء ووجهه مكبل بمشاعر مختلطة..




~~~~


صوفيا


فتحت عيناي بإنزعاج وأنا أشعر بتصلب في عضلات وجهي وبالدفء في جسدي الى حد السخونة، وسرعان ما تشابكت حاجبي من غرابة المكان إلا أن الخدر الذي أحسسته في بدني منعني من الحركة بطلاقة وحرية، كانت رقبتي متيبسة بوجع ومع ذلك أرغمتها على التلفت يمنة ويسره لتتفقد عيناي أين أكون بسرعة وحذر.. وعلى عكس التشنج الذي أحاط جسدي بأكمله كانت الغرفة جميلة جداً وهادئة، تملأ جدرانها أرفف مصفوفة بشكل متداخل ومن فوقها وُزعت تحف زاهية الألوان وصور شتى، مما سرق ابتسمتي بإنشراح لجمال المكان ونظافته.

تابعت عيناي تفحصها ببطئ حتى وقعت على إطار كبير يضم صورة لشابة بديعة تجلس في القلب وبقربها تقف فتاتين بعمر الزهور.. وعندها أصبح لدي دافع قوي لمغادرة الفراش واشباع فضولي ففعلت على مهل رغم الوهن الذي كنت أحس به في مفاصلي وأتجهت صوب الإطار لتأخذني البغته وأنا أقف أمامها، فإحدى الصبيتين تكاد تكون أنا والأخرى ليست بعيدة عن ملامح ألكسا على الرغم من بعض الفروقات!

فُتح الباب الأبيض بهدوء من خلفي فستدرت لأجد ألكسا تقف وراءه وهي ترتدي إحدى منامتها القصيرة، أجفلت بسرور وكدت أن أحييها لولا أنها فاجئتني بإسراعها الى احضاني، تلقيتها بخجل أزداد حين تبعتها جدتي الى المكان..



اخبرتني ألكسا بعد ذلك بما جرى خلال النهار بعد أن أعادتني كلتاهما الى السرير، وعن قدوم الطبيب وعن تفاصيل كثيرة غابت عني بالكلية!، كنت في أوجه حالة انزعاجي لغيابي عن الواقع طيلة ذلك الوقت إلا أنه تحتم علي اظهار أمارات الإنبساط لكي لا أقلقهما أكثر مما فعلت، ولفتتني الأريحية في وجه ألكسا على الرغم من كونها في حضرة جدتي التى لا تحب فقلت:
- هذا يعني من أنك فوتِ موعد الرحلة ألكسا، سأتكفل بالإهتمام بحجوزاتك في أقرب فرصة

أجابت وهي وتكشر عن حاجبيها وتزم على شفاهها بطفولية:
- وتظنين أتركك دون رعاية!، كنت على وشك المغادرة فحصل ما حصل، الله أعلم كيف تدبرين أمورك في غيابي وأكره أن أجيء الى هذه البقعة مجدداً لحضور مراسم دفنك؟

ضحكت بينما نهرتها جدتي بغضب تقبلته ألسكا دون اعتراض ومالبثت أن غادت جدتي للإهتمام بأمور النُزل التى أجلتها بسببي فبقينا وحدنا .. ولم أضيع الفرصة فقلت:
- إذاً مالذي غيرك على جدتي ؟!

قلتها وأنا أرمقها بمكر فضحكت بغرور وأجابت:
- إنما قررت إعطائها فرصة أخرى من أجلك صوفي، كما أننا تحدثنا مطولاً خلال نومك بشأن ما جرى لك سابقاً وشعرت بأنها يمكن أن تكن أهلاً للثقة

حذفتها بإحدى الوسائد الصغيرة وأنا أبتسم بإنشراح:
- سعيدة ببقاءك على أية حال يا رأس البصلة

رفعت حاجبيها بإستخفاف وقالت بشفاه ممدودة ورنة ثقيلة بطيئة:
- أين ذهبت صراحة صوفي بالأمس، أما كان عليك قول ذلك سلفاً أم أن غرورك يمنعك من طلبي البقاء الى جانبك !!

ابتسمت ثم قلت مازحة:
- وأتحملك تقولين “ما بقيت هنا الى من أجلك” لما تبقى من الصيف، ياللهول أنت تحلمين دون شك.

ردت الوسادة في اتجاهي فستدرت لتلافيها وقالت وهي تقوم من على طرف السرير:
- يستحسن أن تستثمري يوم راحتك هذا جيداً، كنت طيبة بما فيه الكفاية وتطوعت للإهتمام ببعض أعمالك صوفي

فلم أجد وقتاً لإخفاء ذهولي وقلت والعجب ينطق بلساني:
- ألكسا تعمل!!

رمقتني بإزدارء وهي تتنهد بإبتسامة هزء:
- تعلمين أنه يمكن أن يتم التخلى عن خدامتك نظير خدماتي فحذاري من الإستهزاء ..

أجبتها مبتسمة:
- معك كل الحق، أستطيع أن أرى جودة خدماتك في الإهتمام بي..

تلعثمت بخجل وخرجت على عجل وهي لا تنظر الى الوراء، واجتاحني سرور عظيم وحماس طفولي من بقاءها في الجوار لنتمكن من تشكيل ثنائي الإستطلاع كما في الأيام الخوالي، ونخوض غمار التجارب والاحاسيس الجديدة معاً، فقد سرقتنا حياة المدينة المكتظة عن بعضنا البعض ولم تترك لنا سوى بضع دقائق نقضيها سوية على سفرة المائدة حيث تكون منزوية على محمولها وأكون محلقة مع كتابي..

ومع هدوء الحجرة أرحت رأسي الثقيل على الوسادة وأنا أضجع على جانبي الأيمن، وأحاول تذكر تفاصيل البارحة على تردد وخوف من أن ترسلني الذكريات الى حالة التجمد أو الشلل، ومن حيث لا أعلم وجدت الذكريات تجذبني بعنف الى الوراء والى أرضية مضمار سباق الخيل السنوي الشهير في ملبورن، كنت في العاشرة آنها وأذكر أن الخيل التى راهن عليها والدي بمبلغ ضخم فازت في السباق النهائي، فأخذنا للإلتقاط صورة مع الخيل الفائزة ووضعني على ظهرها بعد الحاحي الشديد من أجل التقاط صورة لا تنسى، وفجأه تعالت الصيحات حين هاج الحصان وأنطلق بعنف نحو مضمار السباق، تمسكت به لسويعات من الوقت قبل أن تخذلني يداي الصغيرتين فطار جسدي النحيل وارتطم بالأرض ثم تدحرج مطولاً قبل أن يستقر هامداً، والحقيقة المرعبة هي كوني لم أفقد الوعي طوال الوقت على الرغم من انكسار بضع فقرات في ظهري وخلع كتفي الأيمن، مما جعلني طريحة الفراش بضعت اشهر و حبيسة العلاج الطبيعي بضعة سنين اخرى..

انكمشت على ذاتي بجزع، و تذكر الألام التى شبت في جسدي كالنيران ارسلني الى رعشة حقيقة، وصرت أكافح جاهدة لتهدأت عقلي وعيناي الدامعتين مطبقتان فوق بعضهما البعض بإحكام لتذكر خطوات العلاج النفسي الذي خضعت له بصورة مكثفة للتخلص من نوبات الفزع تلك .. ولم يمضي زمن طويل قبل أن أستغرق في النوم لينتهي الصراع!..

قضيت نهار اليوم التالي في التجول هنا وهناك دون أن يسمح لي أحدٌ بمد يد العون في شيء، بل كان الجميع حريصون على راحتي وما كان مني إلا تقبل رغباتهم والإمتثال لها دون اعتراض. 

وفي الليل، أصرت ألكسا على الذهاب الى المدينة البعيدة لنتناول العشاء هناك، فأذعنت جدتي لرغبتها وأخذتنا في سيارتها الحمراء الكهربائية خلال طريق ينشق بين الجبال وعليها، انقضى الوقت وأغلب الحكايا أقولها أنا وألكسا بتدافع وحماسة كما الأطفال بينما ظلت جدتي تستمع باسمة، وتشاركنا تعليقاتها المختصرة بين الفينة والأخرى، وهكذا الى أنا وصلنا الى مطعم للمأكولات البحرية يقع في قلب المدينة المتحجبة برداء الغسق الأحمر الجميل..

ترجلت من المقعد الأمامي متمهلة وتأثرت شديد التأثر برقة جدتي وعطفها حين جاءتني الى حدي وأصلحت الوشاح الحريري الملون حول كتفاي، كان قلقها علي مفضوحاً في أماراتها والرأفة تكحل عينيها الجميلتين، بينما حدقت بي ألكسا المتأنقة بثوبها الصيفي الأصفر وحذائها العالي ثم قالت:
- قليل من الجهد وتصبحين ممتازة لمقام شقيقتي

ضحِكت وأنا أتمسك بعضد جدتي:
- سأكون أكثر سعادة إذا ما أصبحت لائقة بمقام حفيدتها صدقيني

وتفاجأت كلتينا حين قالت جدتي متأثرة وصوتها يرتجف كالأوتار:
- أنت بالتأكيد كذلك صوفي، وألكسا أيضاً.. لم أكن لأكون أكثر سعادة وسروراً بحفيدين طيبتين مثلكما

ولم أنبس بحرف واحد من شدة وقع حديثها على قلبي، وشعرت بالإمتنان الشديد لقيام ألكسا بتغيير الأجواء حين قالت بمرح ساخر:
- هيا يا جدتي لا داعي للمجاملة، سألامس القمر من فرط سعادتي بحفيدة كصوفي، ولكن نسخة أخرى مني على هذه الحياة كفيلة بدفع البشرية الى حافة الإنقراض!

فهش وجهها بمودة وقالت بسكينة:
- ألست تشعرين كثيراً وتعرفين قليلاً يا ألكسا؟!

وأشرت لألكسا بالصمت لكي لا ترد بحماقة فلا أظنها أدركت المغزى من تلك المقولة العميقة، ثم لحقنا جدتي الى باب المطعم وأعيننا تتفحص ما أتيح لنا رؤيته من معالم المدينة بذلك الوقت حتى لحظة ولوجنا الى الردهة الراقية.

ولم يطل إنتظارنا طويلاً حيث أجلسنا الجرسون المهذب الى الطاولة التى تم حجزها لثلاثتنا بعد اتصال جدتي بالمكان في وقت سابق، واستحال على ألكسا أن تكف عن الضحك من لكنة الجرسون القوية، حتى رمقتها جدتي بصرامة فعضت على شفاهها وهي تجاهد للحفاظ على صورتها العامة.

تقدمنا نادل أخر ليضع أمامنا لوائح الطعام، فتلقت ألكسا اللائحة بلا اكتراث وسرعان ما نهش العجب تقاسيمها القمحية الجذابة وهي تتفحص الشاب بإهتمام مما دفعني لتقليدها وتقليب عيناي بينهما وأنا متفاجئه من تصرفها، فلامبالاتها تتضاعف بصورة فاضحة مع الجنس الأخر وليس من المعتاد أن تحدق في أحدهم طيلة هذا الوقت أو بهذا الشكل العلني!، وسرعان ما لمست تبدلاً في ملامحها الجادة الى الهزء والمكر وهي تعقد يديها أمام صدرها لتخاطب النادل الوسيم بترفع ساخر يخطأه من لا يعرفها بالكبر، وقالت:
- الفتى القروي من قبل أليس كذلك؟! لم أتعرف عليك كونك تبدو أكثر نظافة اليوم!

رمقها النادل المهذب لأجزاء من الثانية ولم يزد، ثم أشاح بنظره بعيداً عنها ليولى اهتمامه جدتي المحفوفة بنظرات التقدير منذ أن دخلنا، وقال:
- طاب مساءك سيدة صوفيانا، طاب مسائكن آنساتي.. سأكون في خدمة الطاولة اليوم فأرجوا الإعتماد علي، مع تمنياتي لكن بقضاء أمسية ممتعة

أجابته جدتي بجديتها ووقارها ولم يظهر أثر لمشاعرها المرهفة قبل لحظات في رنة حديثها المستقرة:
- طاب مساءك جورج، أراك تعمل هنا الليلة؟!، تمتلك العديد من المواهب دون شك

فنمت عن النادل ابتسامة خجولة جعلت لوسامته المفرطة شأن أخر، وأجاب بدماثة وأدب:
- ليس لوقت طويل مع الأسف الشديد سيدتي، إنما تطوعت للعمل الليلة نيابة عن صديقي، أستيقظ بوعكة صحية صباح اليوم وسيكون على ما يرام بعد نيل قسط من الراحة لذا لاداعي للقلق.

فأومأت جدتي برضا وأنفعالاتها المدروسة برقي تجعلني أزداد انبهاراً من هالتها الجذابة، ثم قالت بجدية مهذبة:
- تمنياتي له بالشفاء العاجل.. وأنت أحسنت صنعاً بني، فالحقيقة لقد قامت حفيدتي بالشيء ذاته اتجاه شقيقتها العاملة الحديثة بالنزل، وأظنني أود ضمها الى قائمة العاملين نظراً لبلائها الحسن فما رأيك؟!

وبان التطلع على وجه ألكسا لسماع رده إلا أنه تحصل على ذهولي حين لم يخطأ ولو لثانية وينظر في اتجاهها، بل أجاب بأريحية:
- قرار سديد سيدتي، خاصة وموسم الأفراح قادم وسيستفيد النزل من اضافة الأيدي العاملة دون شك..

ثم تراجع بإنحناءة بسيطة بكتفيه ليترك لنا المجال في اختيار الطعام، ولم يصعب علي رؤية الحرج يلون وجه ألكسا التى تلقت صفعة التجاهل الأقوى في حياتها اللحظة، أما عني فقد أشغلتني انفعالات ألكسا الساكنة عن التركيز في طلب الطعام وأقترحت أن تتولى جدتي الطلب عنا جميعاً كونها الأدري بأطباق المطعم المميزة، ففعلت برحابة صدر.

وبينما نحن بالإنتظار أتانا الوسيم جورج من جديد وفي يديه باقة ورود ضخمة بديعة التنسيق جذبت أنظار الجميع على كافة طاولة المطعم الممتلئه بلا استثناء، فتبادلت عيناي مع عيني ألكسا نظرة طرحت ذات التساؤل وأخذتني البغته حين قصدني بها، وامتلأت عيناي الداكنتين بالحيرة حين دنا وهو يقول بلطف:
- وصلتك يا آنسة قبل لحظات

ترددت في تناولها وتبادلت نظرة سريعة مع جدتي التى قالت بإهتمام:
- ومن المرسل جورج؟ لا يعقل أن تقبل حفيدتي الزهور من غريب!

فأجابها برزانة:
- أوصلها السيد فيليب سيدتي، وقال أنه سيقوم بالزيارة قريباً للإطمئنان على صحة الأنسه.

و ازداد التشابك في عقلي من هوية المدعو فيليب، إلا أن جدتي أومأت لي بالموافقة، فتناولتها بخجل توردت له وجنتاي، وتأملتها برهة قبل أن تلامس أصابعي أزهار اللافندر البارزة وسط الباقة المنوعة .. إنها زهرتي المفضلة ورائحتها المنعشة تجذبني ولو كنت على بعد اميال برابطة عجيبة هي أشبه برابطة الطفل برائحة امه .. أخرجني من شرودي حديث جدتي الذي قصدتني به:
- لفته مهذبة من السيد فيليب، إنه الرجل الذي حضر بالخيل الى الإصطبل بذلك اليوم عزيزتي.. كان قد طلب استئجاره لفترة الصيف فقد ابتاع حصاناً جامحاً يحتاج أن يكون منعزلاً لفترة عن باقي الأحصنة

تسائلت ألسكا وفاجئتني حين قالت:
- أهو الرجل الذي حمل صوفي الى النُزل؟!.. عجيب لماذا يبتاع الحصان إذا لم يكن لديه مكان يبقيه فيه!

واستمعت الى رد جدتي بإنصات كامل:
- على العكس ألسكا لديه اصطبلات عديدة ومميزة، إنما رفض الحصان الإنسجام مع البقية ولهذا طلب إبقاءه بعيداً لدينا، ولكنه سحب رغبته بعد الذي جرى وهذا للأفضل.

لم يبدو على ألكسا الإقتناع فتابعت الخوض في الحديث:
- ولماذا ذهبتي الى هنالك صوفي؟! إنه أشبه بالخرابة المهجورة

أراحتني جدتي حين أجابت عني وقالت:
- حيث أننا لا نربي الأحصنة منذ زمن فالإصطبل يستخدم لتربية الدجاج.. كانت صوفي تأتي بالبيض من هناك كل صباح ومنذ الأن تصبح مهمتك ألكسا أهذا مفهموم؟!

ابتسمت بالكاد وأنا أراقب انفعالات ألكسا الطفولية ورفضها الحاد لأول مهمة في عملها، وتابعت الإنصات الى ردود جدتي الصارمة عليها بإنسجام.. لوهلة شعرت من أن عائلتنا التم شملها من جديد بجدتي في موضع امي المشغولة على الدوام.
غادرنا المكان لاحقاً بعد وجبة لطيفة متعددة الأصناف، وقضينا طريق العودة ونحن نستمع الى الأغاني الريفية الهادئة ونوافذ السيارة المفتوحة تجود علينا بالنسيم العليل البارد، فلم نشعر بطول الساعتين على الإطلاق.

وحين وصلنا الى النُزل كان الوقت قد تأخر بالفعل، فقبلتنا جدتي قبل أن نودعها الى العلية التى انضمت إليها ألكسا رغماً عنها في نهاية المطاف، وهنالك أستلقينا جنباً لجنب فستجمعت شجاعتي أخيراً للبوح بما خالج صدري خلال الأمسية الدافئة، بيد أن ألكسا سبقتني القول فقالت:
- لربما انطلت ابتسامتك على جدتي خلال العشاء ولكن ليس علي صوفي.. مالذي جرى لك؟!

أجبتها بأريحية وأنا أستدير بجسدي ناحية الجدار:
- صدقت جدتي حين قالت أنك تشعرين كثيراً وتعرفين قليلاً

تجاهلت مزاحي وأصرت على المعرفة فأجبتها بهدوء:
- أنا لم أشعر بشيء نهار الحادثة، وجل ما أتذكره هو دخول الحصان علي من الوراء فأجفلت وحاولت الهرب ومن ثم لا يحضرني شيء أخر البته وهذا يخيفني.

أجابت وبدى من صوتها وكأنها تراقب سقف العلية:
- لم يحدث شيء يستحق الذكر صوفي، لقد أغشى عليكِ وهذا كل مافي الأمر.. أنت بخير الأن ولا داعي للقلق

استدرت إليها وأنا أعتدل جالسة وقلت بحنق:
- ومن ثم لماذا لم تخبريني بأن رجلاً قد حملني طوال الطريق الى الحجرة!!

رمقتني بمكر وقالت وهي تعض على شفاهها:
- وأهٍ من رجل وسيم .. كنت مشغولة بالقيام بدوري الأخوي اتجاهك وإلا لكان لي حبيبٌ الأن

لكزتها ضاحكة بخجل وقلت ساخرة:
- دائماً ما تثرثرين بشأن الأحبة ولم يكن لك واحد من قبل سوى ابن صديق ابي حين كنتِ في الثامنة ربيعاً

تأوهت بخجل وهي تعتصر جبينها:
- اللعنة لماذا يجب أن تذكريه الأن ياللإحراج ، لا أنسى كيف رشقته بالحجارة في الحديقة حين أخبرني أنه عائد الى ايطاليا وسيستقر فيها مع أبويه

فنطلقت مني ضحكة عريضه وأنا أسترجع شريط تلك النزهة الكارثية وتنمرها على الفتى الإيطالي المسكين ليصبح زوجها عنوة .. الحقيقة هي أن ألكسا الطفلة لمتتغير كثيراً عنألكساالبالغة، والذي تغير هو اعتبارات المجتمع لأسلوبها، ففي طفولتها كانت شخصيتها الحادة تؤخذ على محمل المُزاح والظرافة، ومع بلوغها أصبحت توصف بالفظاظة وقلة الدماثة وإن كان الشيء الوحيد الذي تغير في حالتها هو نمو جسدها مع جمالها على النحو الذي عزز من اساءة فهم الآخرين لشخصيتها الأصلية بالكِبر والغرور.. ونظرة المجتمع هذه تجعلني أكثر تساهلاً معها رغماً عن ارادتي كوني أفهم حقيقتها أكثر من الجميع .. كما أنها لا تزال بمثابة الرضيعة التي أهدتني إياها أمي لتمحو سمات الوحدة عن عالمي، ويصبح لصرخاتها وانفعالاتها تكهة خاصة لا غنى لي عنها رغم لذاعتها في بعض المرات. 


.........................